اسد حيدر

500

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

فحفرت لهم حفيرة فدفنوا فيها ، وعمل عليها دكانا « 1 » . ولا حاجة بنا إلى بيان أكثر من هذا مما استعمله المنصور مع أهل البيت ، وكفى بذلك شاهدا على نوع السياسة الجديدة وسير حكم النظام الجديد . تظاهر المنصور بالعدل : والذي يلفت النظر : هو محاولة المنصور تغطية أعماله بأقوال فارغة ، وادعاء كاذب وتظاهر بالزهد . قيل لجعفر بن محمد عليه السّلام : إن أبا جعفر يعرف بلباس جبة هروية مرقوعة وإنه يرقع قميصه . فقال جعفر عليه السّلام : الحمد للّه الذي ابتلاه بفقر نفسه في ملكه « 2 » . وضرب كاتبه محمد بن جميل خمس عشرة درة لأنه لبس سراويل كتان وقال له : إن هذا من السرف ، وهو يحاول بذلك أن يفهم الناس بأنه أمين على أموال الأمة ، ودينه يمنعه بأن يرى كاتبه يسرف في لباسه . وخطب في يوم عرفة فقال : أيها الناس إنما أنا سلطان اللّه في أرضه أسوسكم بتوفيقه وتسديده ، وأنا خازنه على فيئه أعمل بمشيئته ، وأقسمه بإرادته وأعطيه بإذنه ، فقد جعلني اللّه عليه قفلا إذا شاء أن يفتحني لأعطياتكم وقسم فيئكم فتحني ، وإذا شاء أن يقفلني أقفلني ، فارغبوا إلى اللّه أيها الناس وسلوه - في هذا اليوم الشريف « 3 » - أن يوفقني للصواب ويسددني للرشاد ، ويلهمني الرأفة بكم والإحسان إليكم ويفتحني لأعطياتكم ! . فهو يحاول أن يتبرأ من عهدة بخله ويدعي طهارة ثوبه مما علق به من الدماء ، وأنه أمر يعود إلى اللّه وبأمره ، إذ هو سلطانه فيتبع الحق ويخالف الباطل ، ولكن الواقع غير ما يقول . ثم نراه يصل إلى درجة أخرى من التظاهر بالقداسة بموافقة أعماله لما يرضي اللّه

--> ( 1 ) تاريخ الطبري ج 6 ص 344 . ( 2 ) الكامل لابن الأثير ج 6 ص 13 . ( 3 ) الطبري ج 6 ص 330 .